محمد أبو زهرة
1592
زهرة التفاسير
. . . ( 29 ) [ القصص ] وقيل آنس معناها أحسّ ، وعندي أن معنى الإحساس ثابت في آنس ، فهو ليس رؤية فقط ، بل هو رؤية ، اتصل بها إحساسه ووجدانه ، ومعنى الرشد الصلاح في العقل والخلق والمال ، ونكّر الرشد ، فقال رُشْداً للإشارة إلى أنه لا يطلب من الصغير أن يؤتى الرشد الكامل بمجرد البلوغ بل إنه يكتفى بنوع من استئناس الرشد وتوقع الخير منه ، ولا يطلب منه الكمال وإلا ما أعطى صغير يبلغ ماله قط ؛ لأن الرشد الكامل لا يكون إلا بالممارسة المستمرة . ومعنى هذا الكلام أنه لا بد من فترة بعد البلوغ يستأنس فيها الرشد ، بعد الاختبار في الصغر ، إلا إذا كان الاختبار في الصغر أثبت رشدا ، وإذا بلغ غير رشيد ولم يؤنس منه رشد استمر تحت الولاية عند جمهور الفقهاء مهما تبلغ سنه ، وذلك لقوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً . . . ( 5 ) [ النساء ] وقال أبو حنيفة : لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ الخامسة والعشرين ، فإذا بلغها عاقلا ، ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل ، وعلى هذا الرأي إبراهيم النخعي . وقد نهى الله الأوصياء عن أن يأكلوا مال اليتامى ، فقال : وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي لا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل ، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا ، فالإسراف والبدار مصدران وقعا في موقع الحال ، وهما في معنى الوصف ، وليس المراد أن لهم أن يأكلوا غير مسرفين ولا مبادرين ، بل إن ذلك بيان لأشنع الأحوال التي يقع فيها الأوصياء ، وهي أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف مبادرين إلى الأكل خشية أن يكبروا فتؤخذ منهم تلك الأموال وتئول إلى أصحابها . وقد بين سبحانه جواز الأكل من مال اليتيم عند الضرورة فقال : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قسمت الآية الأوصياء إلى قسمين : غنى يقوم برعاية اليتيم من غير أجر حسبة لله تعالى ، وقال عنه : فَلْيَسْتَعْفِفْ ومعناها ليعفّ نفسه ، وقال الزمخشري : إن الاستعفاف أبلغ